العمارة لغة : مصدر لفعل عمر, وعمر المنزل : جعله آهلاٌ وعمر الرجل بيته : لزمه والفعل يرد عدة مرآت في القران الكريم , أما المصدر فلا يرد إلا مرة واحدة فقط .

قال تعالى ۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) ۞

والعمارة هنا لا تعني البناء فقط , بل تتضمن : الارتياد والملازمة ايضاٌ . ومن هنا يمكن أن نعرف العمارة : بالبناء المأهول . وهذا مايعطيها بعداٌ انسانياٌ ودفئاٌ لايوفرة المدر ولا الوبر . وهذا المعجم يتناول الألفاظ المعمارية , من غير ادعاء انه حصرها كلها , او توقف عندها وحدها فقد تناول ايضاٌ منازل العرب الرحل, وعناصرها , ومر سريعاٌ بالمصطلح الحديث , ولكنه ركز على التراثي منه أي على ماخلفته لنا حضارة ذلك الفكر النير, وماتركته لنا مهارات تلك الأنامل المفطورة على حب العمل , وما أبدعه نور عيون أولئك الفنانين المتعبدين الذين ارتضوا الاسلام ديناٌ , أو داروا في فلكة , حتى أتت العمارة الأسلامية , وكأنها هدية المخلوق الشكور, لبديع السموات والأرض.

مفهوم العمارة الأسلامية :-

تميزت المدينة الإسلامية بالكتل البنائية المتراصة االتي تحصر بينها فراغات عمرانية مفتوحة , وتتصف بالتكوين الطبيعي الذي يشبه الكائن الحي, كما ترتبط الكتل والفراغات ببعض مولدة الشعور بالتوازن بين الكتل المنية والفراغات . ونتيجة لهذا النوع في الكتل برز نمط عمراني متجانس في مظهره ومتباين في تفاصيله . ومن أهم خصائص المدن الإسلامية وضوح نظام الحركة الذي يبدأ من الطرقات المسدودة أو الأحواش , كما هو شائع في المدينة المنورة , وينتهي إلى مركز المدينة ماراٌ بسلسلة من الطرقات والشوارع ذات الاتساعات المتدرجة . لذلك نجح المسلمون بشكل عام في إعطاء جزء كبير من الفراغات العامة صفة الخصوصية الجزئية وشبة التامة . وكان الناس يتمتعون في هذه الفراغات ببيئة داخلية محتواة بشكل يلائم احتياجاتهم المعيشية .

ويشير الفنانين إلى أن عبارة ” العمارة الإسلامية ” أصبحت ذات مفهوم متغير حسب إدراك واهتمام المستخدم لها , لكنها تعني للمهنيين دراسة وتطبيق الأنماط والأفكار البنائية التقليدية . ويؤكد صالح الهذلول أن التقاليد شكلت منطلقاٌ لنشوء وتطور المدينة العربية الإسلامية التي شهدت تنوعاٌ في الأشكال العمرانية مجرد سمات شكلية مع الاعتقاد بأنها غير قابلة للتغيير والتطور ويتطلب الاحتفاظ بالصلة بالماضي استخدام تلك الأشكال في هيئتها الاصلية .

تكمن الحقيقة في أن العمارة الإسلامية , مهما تعددت أشكالها واختلفت سماتها , هي نتاج للتشريع السماوي الذي اتبعته ومارسته المجتمعات الإسلامية خلال الأربعة عشر قرناٌ الماضية , حيث تبلورت حصيلة مجتمعة من الأنظمة والأعراف التي كان لها الأثر الكبير في تشكيل الأنماط العمرانية الإسلامية . ويفيد الهذلول أن التشريع الإسلامي أسهم في الوصول إلى المستوى الفكري للمجتمع , والمستوى التطبيقي للأنظمة والتشريعات , ومن ثم التعامل مع الأشكال والتكوينات العمرانية في إطارها الثقافي والاجتماعي وبدون جهد العلماء المسلمين الأفاضل من أئمة وفقهاء ماكان للأسس التي بنيت عليها تشريعات الإحياء والإقطاع والارتقاء والإجارة , والهبة والشفعة والوقف , أن تظهر ولاتنفذ في غياب القاضي والمحتسب اللذين كان لهما دور مهم وفعال في إدارة المدينة الإسلامية .

كان للمحتسب دور مهم في مختلف عصور الدولة الإسلامية يتجلى في تحديد الأسعار , ومراقبة الأسواق وأصحاب الحرف , ومنع الغش والغبن والتدليس والازدحام في الطرقات , ومراقبة الأفراح والماٌتم وملابس الناس وسلوكهم .

ويركز المحتسب على الأمور التي تخص العمران , والتي من أهمها التزام الأسواق ومرافق البلدة بالتمشي وفقاٌ للمبادئ والأعراف والتقاليد الاجتماعية , ومراقبة وجودة مواد البناء وصيانة الطرق والمرافق العامة .

ومن مهام المحتسب في ترتيب الطرق والأسواق مايلي :-

  • منع الإساءة إلى الطريق , أو رمي القشور , أو إكثار رش الماء .
  • تجنب الأسواق الوعرة والظلمة والنجاسة , ومنع مايضيقها كبناء الأجنحة والسوابيط .
  • إبعاد حوانيت من كانت صناعته تحتاج إلى وقود نار كالخباز والطباخ والحداد .

في مجال البناء يشرف المحتسب على صناع البناء وبائعي مواده , ويوجه بتعريض الحيطان , وتقريب الخشب , وتوفير الاٌ جر الملائم لعروض الحوائط .

وكان لدى المحتسب قالب خشبي متين الصنع لايستاس يعلق في حائط الجامع للرجوع إليه لمعايرة القوالب التي يتخدمها البناؤون .

للنسيج العمراني التقليدي دور كبير في توفير البيئة الاجتماعية الملائمة , حيث ميز معظم الأحياء التقليدية , واحترام احتياجات الإنسان وسهل الطرق للوصول إلى مختلف المرافق الحياتية , ووفر اللقاء بين أفراد المجتمع في الساحات العامة وفي المنعطفات وتحت الطرق المسقوفة .

كانت المدينة الإسلامية تتسم بتكوين عمراني متوازن في الكتلة البنائية , ومتجانس في مظهره العام , لكنه متباين في تفاصيله . وكان المسجد بمثابة القطب المغناطيسي الذي يجذب إلية ماحوله من تكوينات عمرانية تتمثل في الدور والمتاجر والمدارس والأربطة وغيرها من المنافع العامة . وكان لهذا الجذب القوي تأثير بالغ على تشكيل نمط الطرقات والشوارع بحيث تقود المارة إلية .

إن ماتكون من أنماط عمرانية ومعمارية في المدن الإسلامية لهو حصيلة تجارب وخبرات عديدة لأفراد كثيرين وجماعات تكونت خلال الأربعة عشر قرناٌ الماضية , وامتزجت فيها احتياجات المجتمع , والحرفيين ومهارات الصناع التي أبدعت هذه الأنماط . كما أن تشكيل هذا النسيج العمراني أتى من تفاعل حصيلة منتقاة من الأنظمة والأعراف التي تطورت على مر الزمن وكونت وسطاٌ عمرانياٌ يمارس فيه المجتمع تعاليم الإسلام ويهيئ له ما يحتاجة من خدمات دينية وثقافية واجتماعية .

تشكلت العمارة التقليدية من أعمال الصناع وأرباب الحرف الذين أبرزوا مهاراتهم بدافع من الإخلاص لمهنتهم فأثمر إبداعاٌ ثرياٌ في العديد من جوانب العمارة كتشكيل الواجهات , ومتانة البناء , وتوفير احتياجات السكان , وهذا ماتعكسة بحق العناصر والتفاصيل المعمارية في مختلف المباني .

ولابد من ملاحظة أن ماتبرزه هذه المباني من متانة في البناء , وكفاءة في الاستخدام , وجمال في المظهر ماهو الإ انعكاس واضح لبعض آداب وتعاليم الشريعة الإسلامية التي تبلورت مع تجارب المسلمين في البناء , وكونت عمارة إسلامية واضحة المعالم .

يتضح مما تقدم , أن العمارة الإسلامية تتكون من وسط عمراني يعيش فية مجتمع يمارس تعاليم الإسلام في شؤون حياته كلها , على أن يهيئ هذا الوسط جميع مايحتاجه المجتمع من خدمات ثقافية واجتماعية تسهم في تربية الأفراد وتوجيههم الوجهة الإسلامية السليمة . لذلك تشكل التركيب العمراني للأحياء والمدن الإسلامية حسب احتياجات المجتمع , وأسهم في تمسكهم بتعاليم الإسلام ويسر لهم ممارسته .

المؤثرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية في العمارة الإسلامية :-

كان للبيئة الطبيعية تأثير كبير على العمارة التقليدية أساسه تشكيل سطح الأرض وتضاريسها والعوامل المناخية المختلفة . ويتمثل هذا التأثير في تشكيل النسيج العمراني والفراغات الخارجية والداخلية وتوجيه المباني , وتحديد مواد البناء وطرق الإنشاء , لذلك تمشت فراغات المباني وواجهاتها مع العوامل البيئية المختلفة , وتشكلت مساقطها وكتلها البنائية استجابة لتلك العوامل , واستجابت طرق التصميم التقليدية , ووسائل التحكم البيئي الاعتيادية والاستخدام الأمثل لمواد لبناء وبشكل فعال للاختلافات المناخية المتباينة .

يحرص الإنسان بشكل ملحوظ على الإتفاق على المأكل والملبس والمسكن , وتعطي الأولوية للمأكل والملبس , وما فاض عن ذلك ينفق على المسكن . وكلما زاد دخل الفرد نشد مسكناٌ أفضل تتوفر فيه وسائل الراحة وتبرز مكانته بين أفراد المجتمع .

تأثرت العمارة التقليدية بمستوى دخل الفرد الازدهار الاقتصادي العام الذي ساد في أزمنة مختلفة .

وغالباٌ تظهر سمات الثراء على العمارة في النواحي التالية :-

  • السعة والرحابة في المنازل والأفنية .
  • الزخارف والنقوش الداخلية والخارجية .
  • أساليب التشييد مثل الأقواس والقباب والأفنية .
  • ارتفاعات المباني .
  • استخدام مواد بناء ذات مظهر لائق وكفاءة في الأداء .

تأثرت العمارة التقليدية بعادات وتقاليد المجتمع التي تملى أساليب معينة من التصميم والتشكيل الفراغي للمبنى . وعلى مر العصور تطورت العمارة التقليدية بناءٌ على ما أملته المجتمعات المتعاقبة من متطلبات للروابط الاجتماعية والعلاقات الإنسانية .

وتتخلص هذه المتطلبات في التالي :-

  • مراعاة حقوق الآخرين .
  • إيجاد علاقات وروابط متينة بين أفراد المجتمع .
  • توفيلا الأمان والراحة داخل السكن .

تشكلت العمارة التقليدية من مجموع المتطلبات البيئية والاقتصادية والاجتماعية بشكل متكامل يضمن لجميع أفراد المجتمع حياة مثالية . وتمثل المباني الحل الطبيعي لمختلف المتطلبات التي تستجيب لاحتياجات أفراد المجتمع الذي يعاصر ثقافة مميزة ومناخاٌ محدداٌ وتحت ظروف اقتصادية واجتماعية خاصة . ومع اعتبار التماثل في النواحي الثقافية والاقتصادية لبلد ما فإن الاختلاف في طبوغرافية الأرض والمناخ يؤدي إلى اختلاف الطابع المعماري من إقليم لآخر .

المصادر والمراجع:- 

كتاب العمارة الإسلامية .

كتاب صور من التراث العمراني .